السبت، 5 مايو 2018

رياض الريفى .... فى سمادير ليل خريفي :::::بقلم الكاتب محمد دحروج

رياض الريفيّ ... في سمادير ليل خريفيّ 

2

   ( وَفي النَّفسِ مِن أمرِ هَــذِهِ الرّوَايَةِ أشيَاءُ وَأُمُورٌ ، لَعَلِّي أبُثُّهَا إِلَى صَدِيقِنَا صَاحِبِ هَذِهِ الكَلِمَةِ بَعدُ ) .
  كَـانـت هَذهِ هيَ كلمَتِي التِي ودَّعتُ بهَا مَقالَتِي السَّابقَة ، وَهَا أنَا أستغِلُّ هَذِهِ اللحظَة الحَزينَة التِي أحيَاهَا لأُعبِّرَ عَن شيْءٍ يَثورُ بدَاخِلِي وَيُشعِلُ نِيرَانَ كَراهِيَة الحَيَاةِ بِذاتِي وَنفسِي وَعَوَالِمِ وجدَانِي ، لأُعبِّرَ عَن دُنيَا تَقُومُ هَا هُنَا بَـينَ أرجَاءِ حَيَاتي التِي تُحَاولُ جَاهِدَة أن تُبعِدَ الناسَ عَنهَا وَأن تَركَنَ إِلَى العُزلةِ أكثرَ وَأكثرَ مِن بَعدِ أن اعتادَت ذلِكَ وَرَأت أنَّ مشوَارَ العُمُرِ أكبرَ مِن إِضَاعَتِهِ مَعَ بَنِي البَشرِ الذِينَ لا يَعنِيـهم مِنَ الوجُودِ سِوَى قَانونِ العَبَثِ الفِكرِيّ وَالعَقلِيّ والسَّيرِ مَعَ طَرِيقِ الأيـــَّامِ وُفقَ طَبَائِعِ التفكِـيرِ الضَّاربةِ بجُذورِهَا في أعمَاقِ كُنْهِ الحِسِّ البدَائيّ الذِي لا يَنظُرُ إِلاَّ إِلَى لُغةِ المَادَّةِ الحَقِيرةِ التِي لا نَعبَأُ بــهَا إِلاَّ بِالقَدرِ الذِي يُهيـيءُ لَنا أن نتفرَّغَ لِفِكرَةِ الخُلُودِ فَوقَ القِرطَاسِ مِن بَعدِ أن نَفنَى جَمِيعًا وَيَفنَى كُــلُّ مَا يَدُلُّ عَلى أنــَّنا كُــنَّــا هَا هُنَا ذَاتَ يـَومٍ .

   هَا أنا أترُكُ نَفسِي لِنَفسِي ، لأكتُبُ بَعضَ مَا يُشعِلُ بِأوقَاتي نِيرانَ الضِّيقِ وَالغَضَبِ وَالسَّأمِ وَالنُّــفُور وَالثورَةِ .

   إِنَّ مِن عَادَاتي السَّــيِّـئةِ التِي أعرِفُهَا أننِي مُولَعٌ بِإِيـــلامِ مَشَاعِري وَجَلْدِهَا مِن دُون ذنبٍ كُــلَّمَـا تـفَـكَّــرتُ فـي حَقِيقَة تَارِيخِي الذِي عِشتُهُ فَوقَ هَذِهِ الأرضِ وَإِن كَــانَت الأوقَـاتُ الآنِـيَّــة لا تــُسَــوِّغُ ذلِكَ وَلا تُمـهِّـدُ لَهُ .

   إِني لأكرَهُ هَذِهِ الرّوايَـة لأنـهَـا تُعــبِّرُ عنِّي ، وَأنا أكرَهُ كُــلَّ تَفَاصِيلِ حَيَاتي ، نَعَم أنَا أكرَهُهَا ؛ لأننِي أكرَهُ رحلَة مَا أرَدتـُـها ، وَحَقِيقَة لَم تُبنَ عَلَى أرضِ هَـذَا الوَاقِعِ إِلاَّ مِن بَعدِ أن تَهشَّمَت أجزَاءُ رُوحِي وَتَبَعثرَت عَلَى طُرُقَاتِ الحَسرَةِ التِي بَاتَت سَاكِنة بِفُوادِي مُقِيمَة لا تُغَادِرُ وَلا تَبرَحُ .
   إِني كُتَبتُ ذَاتَ مَرَّةٍ أقُولُ : إِننِي لا أزَالُ أحيَا بِعَامِ 1987 يَومَ كُنتُ طِفلاً صَغِيرًا لا يَعرِفُ مِن هَذَا الكَونِ سِوَى اللَّيلِ وَالنُّجُومِ وَالقَمَرِ وَسَمَاءِ هَذِهِ الدُّنيَا ، لا أزَالُ هُنَاكَ لأني أكرَهُ كُــلَّ مَا قَـد أتــَى بَعدَ ذَلِكَ ؛ فَلا أعترِفُ بِهِ إِلاَّ حِينَمَا أُبصرُ هَؤلاءِ الَّذِينَ يُثنُونَ عَلَى تَارِيخٍ أدَبيٍّ صَنَعتُهُ ، فَأنا أبسُمُ يَومَئِذٍ لا لأننِي فَرِحٌ بِهِ وَإِنَّمَا لأنهُ يَجِبُ أن أُقابِلَ مِثلَ هَذَا الثنَاءِ بِشُكرِهِ ؛ وَإِلاَّ فَإِني مَا تَمَنَّيتُ أن أُغادِرَ تَارِيخِي القَدِيم .
   وَمِن أعجَبِ العَجَبِ أن تَجِدَ إِنسَانـًا أبغَضَ الحَيَاةَ وَهِيَ تَستَقبِلُهُ بِكُـلِّ خَيرٍ ، وَمَن تَأمَّــلَ وَقَفَ عَلَى السِّـرِّ الذِي جَعَلَ لِلسَّطرِ  وجدَانــًا صَادِقـًا ، فَبَعضُ النَّاسِ أدمَنَ الحُزنَ فَهُوَ يُبصِرُهُ فـي قَلبِ سَاعَاتِ الفَرَح .

وللحديث صلة

مقدمة أبى فهر ::::::: للكاتب المبدع محمد دحروج

مُقدمة أبـي فـهــر

1
   وَهَـا أنـا أعُـودُ بَعـدَ انقِضَـاءِ عَـامٍ عَلَى رِحلَتِي مَعَ الْجُـزءِ الأوَّلِ مِن هَذا الكِتَابِ           (( لأنـِّي رَأيتُ هؤلاء ))،الَّذِي أُحَاولُ مِن خِلالِهِ أن أصنَعَ حَالَةً مِنَ الجَدَلِ النِّقاشِيِّ المَنهَجِيِّ بُغيَةَ تَقييمِ هَذِهِ الدِّرَاسَاتِ وَتِلكَ المَقَالاتِ الَّتِي تُحَاولُ الاقتِرَابَ مِن فِكرِ وَفَلسَفَةِ شَيخِ العَرَبيَّةِ في الأدَبِ وَالنَّقدِ وَالسِّياسَةِ وَالثقَافَةِ العَرَبيَّةِ بصُورَةٍ شُمُولِيَّةٍ عَامَّةٍ .
   بمِعرَضِ الكِتَابِ الأخِيرِ بالقَاهِرَة 2018 ، وَقَعَ بيَدِي كِـتَابٌ صَغِـيرُ الْحَجمِ إِلاَّ أنهُ 
يُثِيرُ انتِبَاهَ القَارِيءِ المُهتَمِّ بنِتَاجِ أبي فِهر، فَقَد كُتِبَ عَلَى وَاجِهَةِ غُلافِهِ :
مُقَدِّمَةٌ في نَشأةِ اللَّغَةِ وَالنَّحوِ وَالطَّبقَاتِ الأُولى مِنَ النُّحَاةِ 
 لِلأُستَاذ محَمُود محُمَّد شَاكِر 
قَرَأهُ وَعَلَّقَ عَلَيهِ
عَبدُ الحَمِيد محُمَّد العُمُرِي 
دَارُ البَشِيرِ لِلثقَافَةِ وَالعُلُومِ = القَاهِرَة

   أقُولُ كَانَ مِنَ المُقرَّرِ أن أكتُبَ كَلِمَةً عَن هَذا الكِتَابِ؛ غَيرَ أني فُوجِئتُ بهُجُومِ عِلَّةٍ شَدِيدَةِ الوَطأةِ أجبَرَتنِي عَلَى مُغَادَرَةِ القَاهِرَة وَالقُدُومِ إِلى الرِّيفِ لِمُدَاوَاةِ جَسَدٍ أرهَقَتهُ ثلاثُ سَنَوَاتٍ مِنَ الكِفَاحِ المُتَّصِلِ الَّذِي لَم يَخلُ مِن عَنَتٍ أصَابَ النَّفسَ وَالعَقلَ وَالجَسَدَ = فَلَمَّا استَقَرَّ بيَ المُقَامُ بالأرضِ الَّتِي أرَدتُ أخَذتُ أختَلِسُ الوَقتَ وَأسرِقُهُ لأقرَأَ الشَّيءَ بَعدَ الشَّيءِ ممَِّا اشتَمَلَت عَلَيهِ هَذِهِ الرِّسَالةُ اللَّطِيفَةُ،حتَّى إِذا مَا أتمَمتُ أمرَهَا وَقَـيَّدتُ رُءُوسَ المَسَائِلِ، وَجَلَستُ عَقِيبَ صَلاةِ فَجرِ الرَّابعِ مِن إِبرِيل 2018 لأبدَأ مَعَ المَقَالَةِ النَّقدِيـَّةِ؛ فَوجِئتُ بمَِا اغتَالَ صَفَاءَ السَّاعَةِ وَحَمَلَنِي عَلَى الجُلُوسِ لِخَوضِ عِرَاكٍ أدَارَهُ كَذبَةٌ فَجَرَةٌ، يُرِيدُونَ مِن خِلالِهِ أن يُلبِّسُوا عَلَى النَّاسِ في أمرِي بإِزَاءِ مَوَاقِفِي مِن شَيخِ العَرَبيَّةِ ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى ـ لِحَاجَةٍ في نُفُوسِهِم لا تَدُلُّ إِلاَّ عَلَى مَا أُشرِبَتهُ هَذِهِ النُّفُوسُ مِن إِجحَافٍ وَتَعَصُّبٍ وَوَضَاعَةٍ وَافتِرَاءٍ وَحَسَدٍ، وَوَقَفتُ أرُدُّ في بَدءِ الأمرِ بالمَنطِقِ الَّذِي يُجبرُ عَلَى التَّوَقُّفِ لِلنَّظَرِ في الأمرِ لَو كَانَت المُنَاقَشَةُ بَينِي وَبَينَ رِجَالٍ؛ غَيرَ أني صَادَفتُ خَنَازِيرَ الأرضِ وَذبابَ المَزَابلِ، فَوَقَعَ التَّلاسُنُ؛الَّذِي دَفَعَهُم إِلَيهِ مَا جُبلُوا عَلَيهِ مِنَ الخَطَلِ وَالسَّفَهِ، وَدَفَعَنِي إِلَيهِ مَا رَأيتُ مِن وَضَاعَةٍ وَفُسُولَةٍ وَنِفَاقٍ مِن أُناسٍ زَعَمُوا أنهُم طُلاَّبُ حَقٍّ وَمَا هُم سِوَى كِلابٍ جَربَاءَ تَعَوَّدَت النُّباحَ حتَّى أدمَنَتهُ فَغَدَا عَقِيدَةً وَمَنهَجًا .
   وَلَولا أننِي لا أُحِبُّ أن أُعَكِّرَ صَفَاءَ نـَهرِ هَذا المَسَاءِ لَمَضَيتُ أبسُطُ القَضِيَّةَ بَسطًا يُبيِّنُ حَقِيقَةَ مَا قَد كَانَ،وَلَكِنِّي أُمسِكُ عَن ذلِكَ لأُدَبـِّجَ مَا يَنفَعُ النَّاسَ،وَلا يَنفَعُهُم إِلاَّ أن أبدَأَ في الحَدِيثِ عَن نَشْرَةِ صَاحِبنَا لِرِسَالَةِ الشَّيخِ ـ قُدِّسَ سِرُّهُ ـ .

2

وللحديث صلة

كلمونى :::::: للشاعرة جهاد (جاردى )

كلمونى
-------
كلمونى عن حبيبى
فكرونى تانى بيه

زودوا للشوق لهيبى
لما فارقتنى عنيه

جددوا جرح الليالى
اللى ياما عشنا فيه

سهرونى و ف عيونى
دمعة بايته بتناديه

كلمونى و سمعونى
صرخته بتفتن عليه

كلمونى و طمنونى
إنى لسة عايشة فيه

و أما بيذاكر فنونى
غنوتى تسهر عنيه

بيقولولى إنه تايه
عقله منه عنه غاب

لسة حتة فيها تايه
لو تعود يرجع شباب

من فراقى دمعه سايل
ليله و نهاره عذاب

القليب معادش شايف
من بنات الدنيا تاب

--

جاردى

الخميس، 26 أبريل 2018

الفصل الثالث من رواية السطور التى مسها الجن ... للكاتب محمد دحروج

الفصل الثالث : تحسَّست آثاره 

   أجمَلُ شَيْءٍ أحسَبُهُ يُميِّزُ عَقلِي أننِي اعتَدتُ مُلاقَاةَ الغَرَائِبِ بِنَظرَةٍ هَادِئةٍ  فَمَا عُدتُ أجزَعُ كَمَا كَانَ حَالِي في العَهدِ القَدِيمِ ، مَا عُدتُ أبكِي  عَلَى  رَاحِلٍ  أرَادَ أن يَذهَبَ  وَأن يُغَادِرَ ؛ عَلَّمَتنِي الْحَيَاةُ في القَاهِرَةِ  تِلكِ المَدِينَةِ الكَبِيرَةِ أن أكُونَ مَنطِقِيًّا أنِيقًا مِن بَعدِ أن كُنتُ انفِعَالِيًّا  حَالِمًا ، عَلَّمَتنِي  أن أُعَايشَ الْحَيَاةَ بِنَظرَةِ مَن يحُاصِرُهُ المَوتَ لأصنَعَ مِنَ الحَيَاةِ الصَّغِيرَةِ عَالَمًا أكبرَ وَأوسَعَ مِن بَعدِ أن كُنتُ أُبصِرُ البَعثَ الْجَدِيدَ بِعُيُونِ ميِّتٍ  فَإِذَا بِالرَّجَاءِ  وَقَد ارتدَّ يأسًا لأنِّي كُنتُ أُؤمِّلُ  في الأُمُورِ وَالأقدَارِ  بِصُورَةٍ طُفُولِيَّةٍ سَاذَجَةٍ ؛ وَتِلكَ نظِرِيَّةٌ لا يَصِلُ إِلَيهَا  إِلاَّ مَن مَاتَ مَوتًا حَقِيقِيًّا  ثمَّ أرَادَ اللهُ أن يَعُودَ إِلَى الدُّنيَا مِن جَدِيدٍ فَإِذَا بِهِ لا يَعثُرُ عَلَى كَثرَةِ الأحجَارِ بِطَرِيقٍ مُظلِمٍ بَينَمَا يَقَعُ الكَثِيرُونَ  عَلَى وجُوهِهِم وَأقفِيَتِهِم  في ضَوءِ النَّهَارِ بِطَرِيقٍ مُذَلَّلٍ غَيرِ مُتَنَاكِدٍ .
   هَا أنا أكتُبُ  هَذَا الكَلامَ  الآنَ وَأنا بَعِيدٌ  كُلَّ البُعدِ عَن أحدَاثِ هَذِهِ القِصَّةِ ، هَا أنا أكتُبُ الآنَ  وَفجرُ السَّادِسِ وَالعِشرِينَ مِن إِبرِيل 2018 يَتهيَّأُ لِلقُدُومِ .. قَد لا يُصَدِّقُ أحَدٌ أننِي أكتُبُ الآنَ وَأنا أعتَصِرُ مِن كَمَدٍ  وَأتمَزَّقُ مِن قَسوَةِ هَمٍّ ؛ فَإِنَّ استِحضَارَ تَارِيخٍ بائِسٍ غَرِيبٍ يَحمِلُنِي  عَلَى البُكَاءِ ، وَأنا رَجُلٌ  لا يُحِبُّ أن يَبكِي ؛ وَلِذَا فَمِحنَةُ الشُّعُورِ بِالألَمِ  لَدَى فَتىً  اعتَادَ أن يَقهَرَ عَينَيهِ  فَلا يجَرِي مَا بهِمَا مِن دَمْعٍ حَبِيسٍ  لَهِيَ مِحنةٌ  لا يَدرِيهَا إِلاَّ كُلُّ جبَّارِ العَقلِ رَقِيقِ الحَاشِيَةِ وَالطَّبعِ ، وَأشَدُّ المِحَنِ مِحنةُ التَّخالُفِ بَينَ فُؤادٍ وَعَقلٍ .
   كَم هِيَ قَاسِيَةٌ هَذِهِ الحَيَاةُ !
   نعَم ؛ وَبِرَغمِ قَسوَتِهَا فَدَائِمًا مَا تَجِيءُ الحُلُولُ مِن جَوفِ المَشَاهِدِ الْحَاطِمَةِ لِشُعُورِ الإِنسَانِ  مَهمَا كَانت صَلابتُهُ  وَمَهمَا كَانَ صَبرُهُ ؛ فَكَم مِن ألَمٍ دَامٍ دَاوَينَاهُ بِالإِهمَالِ فَطَبَّ وَعَادَ إِلَى أوَّلِ أمرِهِ فكَأنهُ مَا كَانَ ، وَكَأنهُ لَم يُوجَدِ .

*****  

   في تَمَامِ  السَّادِسَةِ  مِن مَسَاءِ الخَمِيسِ ـ مُنذُ أشهُرٍ طَويلَةٍ مَضَت ـ بِشَارِعِ وَادِي النِّيل بحِيِّ المُهَندِسِينَ بِالقَاهِرَةِ كَانَ مَوعِدُنا ، هُنَاكَ وَلا هُنَاكَ هُنَاكَ كَانت دَهشَةُ الهَذَيان ، وَالْتَقَينَا ، كَانَ قَلبِي كَقَلْبِ صَبِيٍّ في يَومِ عِيدٍ ، وَمَا كُنتُ أدرِي لِهَذَا مِن سِرٍّ  سِوَى أنِّي عَشِقتُ هَذِهِ المَرأةَ حتَّى رَأيتُ صَخَبًا بِأضلُعِي وَجَنبَاتِ نفسِي يَدُلُّنِي أننِي لَم أتحَوَّل إِلَى جَسَدٍ يحَمِلُ قَلبًا مِن حَجَرٍ كَمَا كُنتُ أظُنُّ .
   وَفَجأةً رَأيتُهَا أمَامِي ! 
   هِيَ : كَيفَ حَالُكَ يَا محُمَّد ؟
   قَالَتهَا بحُِزنٍ صَامِتٍ تحَسَّستُ آثَارَهُ مِن بَينِ هَذِهِ المَلامِحِ الجَمِيلَةِ .
   هُوَ : الحَمدُ للهِ ، أنا بِخَيرٍ ، فَكَيفَ أنتِ  ؟ 
   هِيَ : لا بأس 
   هُوَ : إِنَّ سِرًّا بِكِ أرَاهُ حَبِيسًا يُرِيدُ أن يخَرُجَ !
   هِيَ : نعَم ، فَلْنَختَر مَكَانًا نَجلِسُ بِهِ فَإِنِّي أُرِيدُ أن أقُولَ لَكَ كَلِمَةً 
        مُهِمَّةً .
   بَعدَ أن هَدَأ المَجلِسُ وَرَأت أننِي أُنصِتُ لَهَا أُرِيدُ أن أقِفَ عَلَى هَذَا الخَبِيءِ الَّذِي يَستَتِرُ خَلْفَ ضَمِيرِ نَفسِهَا بدَأ حَدِيثٌ مَا كُنتُ أحسَبُهُ يَكُونُ !
   هِيَ :  أتعلَمُ يَا محُمَّد كَم هُوَ عُمُرِي ؟ 
   هُنَا عَلِمتُ أنَّ ثَمَّةَ أمرًا يَجِيءُ ! 
   هُوَ : وَكَيفَ لا أعرِفُ !
   هِيَ : اسمَعنِي جيِّدًا ... أنا لا أُنكِرُ أننِي تعَلَّقتُ بِكَ ؛ غَيرَ أنِّي آمَنتُ أننَا نَسِيرُ بِطَرِيقٍ لا بُدَّ أن يَنتَهِي الآن ... إِنِّي أعلَمُ أنَّ بِكَ جُرحًا قَدِيمًا مَا يَزَالُ يَنهَشُ  أوصَالَ وجدَانِكَ ؛ وَأنا أُحِبُّ  أن أُحَافِظَ عَلَيكَ وَلا أُحِبُّ خَسَارَتك ؛ وَلِذَا فَيَجِبُ أن يَنتَهِي هَذَا الَّذِي نحَنُ بِهِ فَإِنَّ الأمرَ سَتَكُونُ عَاقِبتُهُ مَذمُومَةً لَوْ ترَكتُ نفِسي لمِشَاعِرِي وَسِرتُ خَلْفَكَ ، وَأنتَ أيضًا تُؤذِي نفسَكَ ... أتفهَمُنِي جيِّدًا يَا محُمَّد  ؟  
   في هُدُوءٍ غَرِيبٍ ابتَسَمَ لَهَا ، كَانَ قَلبُهُ قَد تَحوَّلَ فَجأةً إِلَى فُحمَةٍ غَيرَ أنهُ آمَنَ أنَّ الْحُبَّ الجَمِيلَ هُوَ الَّذِي يَتشبَّثُ بِهِ وَلَيسَ مَن يُغَادِرُهُ فَيُجبرُهُ تَحتَ قُوَّةِ العَاطِفَةِ  عَلَى أن يَمكُثَ ؛ فَإِنَّ المُكْثَ بهِذِهِ الحَالَةِ إِنمَّا هُوَ البَقَاءُ المُؤقَّتُ  الَّذِي تَنكَسِرُ  صَخرَةُ إِيمَانِهِ  مَعَ أوَّلِ ضَربةٍ مِن مِعوَلٍ ... لَقَد عَلَّمَ نفسَهُ كَيفَ يَمُرُّ عَلَى التَّجَارِبِ مُرُورَ الصَّبرِ الَّذِي لا يَعرِفُ الجَزَعَ وَأن يُجَاوزَ دَربَ الأسَى لِيَخرُجَ جِهَةَ الأمَلِ الجَدِيدِ الَّذِي لا بُدَّ أن يَقَعَ ... لَقَد عَلَّمَ نفسَهُ كَيفَ يُطِبُّ مَا بِهِ مِن ألَمٍ . 

   هُوَ : لا عَلَيكِ ، أنا آسِفٌ عَلَى مَا كَانَ مِنِّي ، سَأظَلُّ مُؤمِنًا أنَّ هَذَا 
الَّذِي كَانَ بَينَنَا إِنمَّا هُوَ آيةُ صِدقٍ وَعِشقٍ اجتَمَعَا مَعًا وَسَأظَلُّ عَلَى يَقِينٍ مِن صِحَّةِ مَنطِقٍ سَمِعتُهُ مِنكِ وَمِن صَوَابِهِ .
لَقَد انتَهَى مَا بَينَنَا ، وَأمَّا الصَّدَاقةُ فَلَستُ أتنَكَّرُ لمِن قَد أحبَبتُ ذَاتَ يَومٍ فَفَارَقَ وَهُوَ رَاقٍ جَمِيلٌ ... أسألُ اللهَ أن يُسعِدَ قَلبَكِ الطيِّب .

   ثمَّ قَامَ فَانصَرَفَ . 


الأربعاء، 25 أبريل 2018

الجزء الأول. .... من رواية السطور التى منها الجن ....... بقلم القاص محمد دحروج

: وليس من إرادة الإنسان 

   لَيسَ مِن حُرِمَ مِن بَعدِ تَذَوُّقٍ كَمَن لَم يجُرِّب وَمَن لَم يَعِ ، وَلَيسَ مَن عَرِفَ الحُبَّ يَومَ عَرِفَهُ في صُورَةِ رِسَالَةٍ إِنسَانِيَّةٍ يُرِيدُهَا اللهُ كَمَن رَآهُ عَلَى هِيئَةٍ طِينِيَّةٍ بَدِيعَةٍ فَارتَشَفَ مِن كَأسِهِ ثمَّ انصَرَفَ وَمَا انصِرَافُهُ سِوَى عُكُوفِهِ عَلَى هَذِهِ المَادَّةِ أو تَحوُّلِهِ عَنهَا بَعدَ وَقتٍ وَإِنمَّا قِيلَ هُوَ حُبٌّ لمُِوَافَقَتِهِ اصطِلاحَ النَّاسِ مِن بَعدِ أن فَسَدَت الطِّباعُ وَعَمَّ الضَّياعُ وَكَثُرَ الجِيَاعُ .
   وَلَيسَ  مِن إِرَادَةِ الإِنسَانِ  أن تَجِيءَ اللَّحظَاتُ  حَسبَ رَغبَتِهِ مَعَ المَكَانِ  أو  الزَّمَانِ ؛ فَهَذَا قَانُونٌ الأغمَارِ  مِنَ  مُعتَنِقِي  عَقِيدَةِ الوَهمِ وَالسَّذَاجَةِ ؛ فَالْحُبُّ الَّذِي هُوَ بَعثٌ جَدِيدٌ  لا يَأتِي عَلَى جَنَاحِ رِيحٍ مُرَادَةٍ ؛ وَإِنمَّا عَلَى بِسَاطِ رِيحٍ مُبَاغِتَةٍ تحَمِلُهُ عَلَى فُجَاءَةٍ فَإِذَا أنتَ بَينَ ضَبابِ كَثِيرٍ  وَنُورٍ ضَؤلَ أمرُهُ ، وَإِذَا بِكَ فَوقَ صَخرَةٍ عَالِيَةٍ غَيرَ أنَّ المَوجَ يُحِيطُ بِكِ مِن كُلِّ مَوضِعٍ .
   إِنَّ أغرَبَ حَالاتِ الْحُبِّ هِيَ تِلكَ الَّتِي  تُثبِتُ لأبنَاءِ هَذِهِ الدُّنيَا أنَّ العِشقَ لا يَعتَرِفُ بِقَانونِ الأعمَارِ أو الأعرَافِ أو الأجنَاسِ ؛ وَإِنمَّا هُوَ قَانونُ الأروَاحِ الَّذِي يَدفَعُكَ إِلَى الْحَقَائِقِ الكُبرَى  مِن بَعدِ أن كُنتَ تُؤمِنُ إِيمَانًا قَوِيًّا رَاسِخًا بِأنَّ المَرَأةَ المُوَافِقَةَ لَكَ إِنمَّا هِيَ تِلكَ الَّتِي تمُاشِي عَقلَكَ المَنطِقِيَّ وَتُجَارِي طَبِيعَتُهَا فَلسَفَةَ تَفكِيرِكَ الَّذِي لا يُؤمِنُ إِلاَّ بمَِا يجَِبُ وَبمَِا يَستَحِيلُ أن يَكُونَ وَأن يَتحَقَّقَ في شَرِيعَةِ آرَائِكَ الخَاصَّةِ الَّتِي صَنَعَتهَا رِحلَةٌ غَرِيبَةٌ مُضطَرِبةٌ نَاجِحَةٌ ، وَهَذَا القَانونُ المُعَاكِسُ الضِّدِّيُّ إِنمَّا  هُوَ آيةُ الْخَلْقِ العَجِيبِ وَالْجَمِيلِ في آنٍ ؛ وَيَأخُذُكَ الجَدَلُ القَائِمُ بَينَ طَوَايا نَفسِكَ وَأرجَائِهَا كُلَّ مَأخَذٍ تُرِيدُ أن تُنَاقِشَ وَأن تَرُوحَ وَأن تجَيءَ ؛ فَإِذَا بِكَ تَرجِعُ في النِّهايةِ لا تُؤمِنُ بِغَيرِ مَا قَرَّرَتهُ حَيَاةُ الشُّعُورِ الَّذِي انتَقَى فَارتَقَى وَنَهَلَ مَا استَسقَى ، وَذَهَبَ فَقَامَرَ وَأوغَلَ فَغَامَرَ ؛ وَالإِصرَارُ  آفةٌ وَمُعجِزَةٌ  في آنٍ مَعًا ؛ فَآفتُهُ  عَاقِبَةٌ مُؤلِمَةٌ ، وَمُعجِزَتُهُ مجَيءُ الأيامِ وَيكَأنهَّا تُرِيدُكَ مِن بَعدِ عُبُوسٍ أن تَضحَكَ وَأن تَلهُو وَأن تَفرَحَ ؛ وَمَا العِشقُ إِلاَّ كُلّ هَذِهِ المَعَانِي مجُتَمِعَةً .
   يُقِرُّ النَّاسُ بمِا يُرِيدُونَ غَيرَ أنَّ إِرَادَتِي تَتغَلَّبُ في نهِايةِ الأمرِ إِذ كَانت لا تُنَاطُ إِلاَّ بِي ، وَلا تَتعَلَّقُ بِسِوَاي ؛ فَأنا  مَن يحَصُدُ الجُرْحَ وَالهَمَّ أو النَّشوَةَ وَالسَّعَادَةَ بِآخِرِ المَطَافِ .
   وَهَذَا دَاءٌ قَدِيمٌ أعرِفُهُ مِن نَفسِي ، وَعُقدَةٌ لازَمَتنِي فَمَا رُمتُ حَلَّهَا أبدًا ؛ أن أعشَقَ الْمَرأةَ الَّتِي تَكبُرُنِي وَلَيْسَت مَن تَصغُرُنِي ؛ وَقَالَ لِي أحَدُهُم يَومًا :  مَأسَاتُكَ  أنكَ أحبَبتَ أباكَ  فَوقَ كُلِّ قَدْرٍ فَحَرَمَكَ شَغَفُكَ بِهِ أن تَقتَرِبَ مِن أُمِّكَ فَلَمَّا ذَهَبَ أبوكَ وَبَقِيَتْ هِيَ لَم تَجِد مِنهَا  سِوَى سيِّدَةٍ مِسكِينَةٍ أقعَدَهَا الْمَرَضُ وَلازَمَت فِرَاشَهَا لِسَنَوَاتٍ فَمَا دَنوتَ مِنهَا إِلاَّ وَهِيَ تُودِّعُ الحَيَاةَ ، وَكُنتُ تُحبُّهَا لأنكَ أبصَرتهَا امرَأةً تَقِيَّةً  لا لأنكَ كُنتَ تُحِبُّهَا حُبَّ الصَّغِيرِ لأُمِّهِ  فَإِنكَ لَم تَلتَفِت إِلَيهَا  إِلاَّ مِن بَعدِ أن جَاوَزتَ العِشرِينَ مِن عُمُرِكَ  فَكُنتَ تَنظُرُ إِلَيهَا نَظرَةَ  الرَّجُلِ  الَّذِي يُوقِّرُ أُمَّهُ  وَحَسْب ، وَحَالَ مَرَضُهَا  بَينَكَ وَبَينَ الْحَنَانِ  الَّذِي كُنتَ تَنتَظِرُهُ مِنهَا  مِن بَعدِ أبِيكَ ، فَمَا كِدتَ تَفقِدُهَا حتَّى رَأينَاكَ وَقَد أعرَضتَ عَن عِشقِ كُلِّ فَتَاةٍ تُقَارِبُ سِنَّكَ وَذَهَبتَ تَطلُبُ المَرأةَ  الَّتِي تَكبرُكَ بِسَنَوَاتٍ ، وَزَعَمتَ أنكَ لا تُقبِلُ عَلَيهَا إِلاَّ إِقبَالِ العَاشِقِ ؛ وَمَا رَأينَاكَ إِلاَّ طَالِبًا لِحَنَانٍ أُنثَوِيٍّ لَن تجَدَهُ عِندَ بَنَاتِ جِيلِكَ إِذ كَانت الفَتَاةُ تَطلُبُ حَنَانكَ وَتَدلِيلَكَ بَينَمَا أنتَ تَطلُبُهُ فَلَمَّا اختَلَفَت  المَقَاصِدُ  ذَهَبتَ نَحوَ طِلْبَتِكَ  الَّتِي تُرِيدُ ، وَلا يمَنَعُ هَذَا مِن إِقبَالِكَ عَلَى المَرأةِ الَّتِي تَكبرُكَ  إِقبَالَ المُحِبِّ لِلأُنثَى  إِذ كَانت بِنِهَايةِ الأمرِ أُنثَى ، فَأنتَ تُقبِلُ عَلَيهَا طَلبًا لِلحَنَانِ  الَّذِي لَم تجَدهُ وَلَن تجَدهُ إِلاَّ عِندَ هَذِهِ المَرأةِ الَّتِي تَكبرُكَ ، وَأنتَ تُقبِلُ عَلَيهَا إِقبَالَ الرَّجُلِ لأنكَ تُبصِرُ قُدَّامَكَ الأُنثَى الجَمِيلَةَ الأنِيقَةَ الرَّاقِيَةَ الوَاعِيَةَ العَاقِلَةَ !
   وَأخَذتُ أتأمَّلُ الكَلامَ ، وَطَالَ صَمتِي ؛ لا لأنِّي ارتضَيتُهُ وَإِنمَّا لأنهُ يَصلُحُ أن يُعبِّرَ عَن جانِبٍ مِن جَوَانِبٍ الإِقبَالِ ، أمَّا أن أُسَلِّمَ بِهِ كَعِلَّةٍ رَئِيسَةٍ تَصنَعُ قَلبِي صِنَاعَةً ؛ فَهَذَا محُالٌ ، فَإِنَّ الشَّابَّ العَاقِلَ لا يُضِيعُ عُمُرَهُ مِن أجلِ مُعَالجَةِ أحدَاثِ قَدَرٍ قَد عَانَى مِنهُ الكَثِيرُونَ ؛ فَمَا رَأينَا عَاقِلاً  يُطِبُّ دَاءَهُ  بمِثلِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ ، كَمَا أنَّ الْحُكمَ بِأنِّي اعتَزَلْتُ المُجَايلَةَ  اعتِزَالاً  تَامًّا  هُوَ كَلامٌ  يُكَذِّبُهُ وَاقِعٌ  لَم  يَعرِف الْخَفَاءَ أو الكِتمَانَ ، فَلَوْ قُلْتَ إِنهُ سَأمٌ مِن عُقُولِ بَنَاتِ حَوَّاءَ مِنَ المُنتَسِبَاتِ إِلَى هَذَا الْجِيلِ الْجَدِيدِ  لَكُنتَ صَادِقًا ، وَأنا رَجُلٌ مَلَّ مِن صَخَبِ الحَيَاةِ فَلا أُرِيدُ سِوَى امرَأةٍ تَفهَمُ مِن دُونِ لَفظٍ وَأُشَاكِسُهَا مِن دُونِ غَيظٍ ؛ وَهَذَا لَن تَجِدهُ عِندَ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لا تَمَلُّ مِنَ الالتِفَاتِ وَلا تَقنَعُ بِمَن مَعَهَا مِن بَعدِ امتِلاكِهِ .

   

ثورة الدعارة النقدية 1 ....... بقلم ناقد الجيل محمد دحروج


   سُؤالٌ لا بُدَّ منه من أجل إثبات الرجولة التي يطبّل حولها الكثيرون :  
   لماذا تدمنون دفن الرؤوس في الرمال كـلما أردنا أن نواجه أنفسنا بمشكلاتنا الثقافيّة والأخلاقيّة ؟ ، لماذا يهرب الناس كـلما أحببنا أن ننادي بوضع المقصلة  فوق رقبة من يريد وضع تُراب العار فوق رأس الكرامة الإنسانيّة للإبداع المصريّ ؟ ،  لماذا تكتبون عن الحقّ وأنتم تدمنون قتله والتستُّر على الباطل ؟ ، لماذا نحبُّ ديمُومة الشكوى ونحن نملك العلاج ؟ ، لماذا نتكـلّم كثيرًا عن الواقع السياسيّ في مصر ونزعم الشجاعة بينما نحن جبناء حينما نتحدّث عن عُهر الممارسات التي يشهدها واقع الثقافة المصرية ؟ 
    لماذا ؟ ، ولماذا ؟ ؛ أسئلة لا أنتظر جوابها من أحدٍ لأني أملك الحقيقة التي تقف مُتجهِّمة أمام واقعٍ كل أبنائه يزعمون النبوّة حتى بتنا نبحث عن هذا الذي سيلعب دور الشيطان فوق هذا المسرح المضحك !
   السُّؤال الذي طرحه صديقٌ أديبٌ إلِـيّ في الصباح ثم طلب مني ألا أذكر اسمه  عند تناول الموضوع إذا ما كتبت عنه هذا هو نصُّه :
    (  نشر أحدهم كلمة جاء بها أنّ شاعرة أرسلت إليه رسالة محصّلها : أنها كانت تتمنّى أن تحضر مؤتمرًا أدبيًّا كبيرًا ، فهاتفها أحد النقّاد الكبار ـــ على حدّ قولها ـــ وأخبرها أنه وضع اسمها بمهرجانٍ كبيرٍ سيحضره شاعرٌ بقامة أدونيس ، فطارت فرحًا ؛ غير أنه بعد قليلٍ اشترط عليها شرطًا واحدًا ، وهو أن تمارس معه العُهر فـوق الفراش ، فما كان منها إلا أن صُعِقَت ، ثم بصقت في وجهه ، ثم أغلقت الهاتف ) .
    وسألني صديقي : أيحدث هـذا فِي مصر ؟ 
       فعجبتُ من كلامه ، فإن هـذا يحدث فِي مصر ، وقيل لي إنه يحدث في 
بوركينا فاسُو أيضًا ، غير أني أعلم حقيقة ما يدور بالوسط الثقافيّ المصري ، 
وربما أُحيطُ علمًا بعد ذلك بملابسات ما يجري بين المثقفين بأدغال إفريقيا .
    بكلّ حالٍ ؛ لقد وعدته أن أكتب في هذا الموضوع ، وأن أُطيل وأُطيل حتى أجعل القضيّة واضحة أمام الجميع قيامًا بحق أمانة العلم والقلم ، وسأسلك مسلك الجرأة في عهدٍ أصبحنا فيه نضاجع السُّكوت بينما نحن نرتدي ثوب الشجاعة الوقحة . 
    وهذه كلمة أردتُ أن أجعلها مفتاحًا لما سيكون منّي إذا ما ولجتُ إلَى قلب البيت الجميل من خارجه ، النتن من داخله ، والحديث مُتّصِل .

ثورة الدعارة النقدية ......2 مقالة للناقد الجيل محمد دحروج





ها أنــا أعُودُ لأكمل ما قد بـدأت ، وهـا أنـا أتحدّث عن واقعنا المزيّــف وتتزيف الواقع ، 
فالواقع المزيّف هو قُبحٌ يكشف ما ظنناه جميلاً ، وتزييف الواقع هـو تجميل ما رأينا قُبحه ، لقـد ترددتُ كثيــرًا قبل أن أقرّر الخوض في هـذه القضايا لِـمَا قـد تجُــرُّه من عداءاتٍ وخُصُوماتٍ ، والخصومات الفاجـرة والعداءات العاهرة أمـرٌ معـرُوفٌ في ثقافتنا المصريـّة ؛ غير أنـي عُدتُ في النهاية لأقـول لنفسي إنّ من اعتاد الحرب في بداية أمره بكـل قـوّةٍ وعُنفٍ لا يجُـوز له أن يُهـادن الراحة في زمن قُـوته وإلا عُـدّ ذلك من النفاق الاجتماعيّ الذي من عادته أن ينادي بالعدالة والمساواة في زمن فقر المطالب فإذا ما صار من أبناء الطبقة الرفيعة طالب بالدولة الرأسماليّة ومحاكمة الثوّار بتُهمة الشيوعيّة وإن كانوا من أرباب المساجد ؛ ليست عندي شُهرة أدعيها إذا ما حان الجِدُّ لأخاف عليها ، وليس عندي من الأمور التي أخشاها ما يحجزني عن الخوض في المسكوتِ عنه ؛ فأنا كما قُلتُ ذات يومٍ : إنّ الكاتب الحقيقي هو من تستوي عنده الأمور فيقوم بواجبه متى ناداه الواجب ، ومن ظنّ أنه امتلك ما يخاف عليه أو منعه أمرٌ عن القيام بهذا الواجب فما هو سوى مُنافق أراد شيئــــًا لا يتعلّق إلا به فنفذ إلى الوصول إليه عن طريق عقول وقلوب الجماهير فلمّا حاز ما قد كان يرجو انخلع من الأمر انخلاعـًا فما يعبأ إلا بنفسه ومصالحه .
   ها أنا أكتبُ مقالة جديدة أحاول من خلالها أن أهتك عِرض السُّكوت وأن أبني صرحًا من العداوات الجديدة من بعد أشهـر طويلة لم أبصر بها عراكـًا يُشعرني بحقيقة الأديب الذي يكتب من أجل قضيّة . 
   إنَّ ما حدث مما ذكرته بالمقالة الأولى ليس بالأمر الغريب كما ظنّ بعض أصحابنا ، فهو ظاهرة معروفة بالوسط الثقافـيّ بحيث ندهش من دهشة المستغرب لوجودها ، يكفي أن أقــول إن كثيرًا من المقالات النقديـّة كُتبت في متشاعرات من أجل مائة جُنيه أو لقاء غراميٍّ بالهاتف ! 
   هل أزعج الخواطر هذا الذي قُلتُ ؟! ... إني لأضحك وأنا أكتبُ ؛ وما أضحك إلا من كثيرين يعلمون حقيقة ما أقول غير أنهم يكرهون جَرْحَ الذوق العام وإن كان السكوت لا يعني سوى الصمت عن ( ماسُورة مجاري ) طفحت بشارع راقٍ اسمه شارع الثقافة والمثثقفين ؛ وأعتقد أن محاولة تحطيم ( الماسُورة ) أهم بكثير من جرح الذوق العام المائع ، ومتى اجتمع الجمهور على تحريم وتجريم كشف القُبح ومحاربته فاعلم أنه ذوق فاسد لا يُعتدُّ به ولا يُنظر إليه .
   يقولُ قومٌ :  نحن لا نحبّ الفضائح ، وأقول لهم : الفرق شاسع بين قتل السُّوء عن طريق إظهاره وتبشيعه وبين الرغبة في أن تشيع الفضائح من جرّاء هذا السكوت .
   وما زلت أقول : لا بد أن نفرّق بين العلاقات الخاصة التي لا يعنينا أمرها اللهم  إلا إذا آمنّا بشرعيّة التطفُّل والسعي خلف أسرار الناس التي لا يجوز لنا أن نتتبعها ، وبين وقاحة أصحاب الأقلام من مدّعي النقد حين يحاولون فرض قداستهم على الناس من أجل امتطاء الأعراض وتشجيع نساء الوسط على الفُجر والدعارة تحت ضغوط الإغراء بالشهرة ــــ الكاذبة ــــ والأضواء ــــ المظلمة ـــــ . 
   أنا لا أحبُّ أن أقتحم إلى ما حرّم الله ، فكلنا أهل ذنوب ، والستر واجبٌ شرعًا وعُرفًا ؛ أما مع هؤلاء النقاد الذين نفذوا إلى دنيا الثقافة بألسنة المؤمنين وقلوب الكلاب الضارية فإنما نهانا الشرع والعُرف عن تمرير ممارساتهم ، وإلا أصبح الساكت كالديُّوث الذي يرى امرأة جاره تُغتصب فلا يحمل سلاحه ليدافع عن عرض أخيه خوفـًا من بطش المجرم به .
   سأُغلق المقالة الآن ؛ لأني أعلم أني أثير بها أعصاب قومٍ ، فأنا أحبُّ أن أضايقهم أكثر وأكثر لأني مُولع بمضايقة الوقحاء وأحب لُعبة الفئران والجُبن ، فكلما جاءت مقالة انتظر الناس ما ستحمله ووقف كل واحدٍ من هولاء يرتعد خوفًا مما سأجيءُ به .
   وفي نهاية الأمر ؛ ربما أصابني أذى من وراء هذه المقالات ؛ غير أنه يكفيني شرفًا وفخرًا أنني أقدر على أن أتوضّأ  لأقسم بين الركن والمقام أنّ قلمي لم يُدنّس بمقالة نقديّة أخذت من ورائها أجرًا أو عُهرًا ... والسّلام .
   ويكفيني أن أقول من بابة الرّدّ قبل أوان الردّ : إنّ من أحبّته النساء لا يبيع قلمه عن طريق هذه الممارسات الرخيصة ... والحديث متّصل ، والحديث مُستفِز .